تشابه جميعا من الخليج إلى المحيط في تشخيص الداء المعنوي الذي نخر بالعدوى الثقة بين القمة والقاعدة، ونتشابه أيضا في اقتراح العلاج المادي الذي نعلم أنه يُسكّن الألم ولا يزيله، وما نقلته وكالات الأنباء والفضائيات العالمية عن الأرقام المليارية التي ضختها بلداننا كدرع ضد سيوف ورماح الغضب الشبابي هو أشبه بطقوس "الرشقة" عندنا على جسد راقصة يضيع فيها المال الكثير بين الرشق والشطيح في ملهى حياتي مادي تناسينا فيه الإنسان الذي هو رأس مال الأمة.. الارتفاع المدهش لأسعار النفط وتنتهي في ضخّها في برامج آنية مسجونة بين السكنات وتوفير مناصب شغل قد لا تكون الدولة في حاجة إليها إطلاقا، وعندما تصبح حقيبة السكن وحقيبة العمل أهم من بقية الحقائب الوزارية وهي صانعة الاقتصاد الوطني المبني على طلبات المواطن وعطاءات الدولة ويصبح المخطط الخماسي مبني على "مليونات" السكن ومناصب الشغل بكمياتها دون نوعياتها فإنه من حقنا أن نضع أيدينا على قلوبنا ونحن نتابع طوفانا من الحلول المادية لمأساة معنوية .
- ما يحدث هذه الأيام بين الدولة وبعض الشعب نخشى أن يتحول إلى أسلوب تعامل دائم يحصر فيه المواطن حياته المهنية في الحقوق، وتختصر الدولة وظيفتها في تقديم الوعود والحلول السريعة لإرضاء المحتجين، فقد أصبح همّ الولاة والوزراء الاستماع للشكاوى المادية السريعة وعلاجها ماديا وبسرعة، وهمّ المواطن استغلال هذه المرحلة الانتقالية العصيبة لأجل تحقيق ما لم يتمكن من تحقيقه على مدار نصف قرن من الكد ومن الاجتهاد والصبر.
- إنتقدنا الدولة عندما كانت لا تعلّم المواطنين الصيد وتحرمهم من السمكة النيئة، ولكنها الآن - وهي نفسها لا تتقن الصيد - تمنح السمكات الطازجة والمشوية لمواطنين ما عاد يهمهم تعلّم الصيد في زمن الاعتصامات والإضرابات وقطع الطرقات وجلوس المسؤولين خلف المكاتب مبتسمين على الدوام ومستقبلين لملفات شباب لا أحد منهم قدّم مشروعا وإنما طلبات جاهزة تنتظر الاستجابة الفورية.
- آلمنا هلاك بعض فضلوا حرق أنفسهم طلبا لحياة أفضل، وآلمنا أكثر ونحن نقرأ سيرتهم الذاتية ونكتشف أن معظمهم لا يمتلك شهادة تعليمية ولا يتقن أي مهنة فكرية أو يدوية تجعل من طلبه للعمل فيه بعضُ الشرعية، وآلمنا مشاركة المسؤولين في تشييع جثامين هؤلاء الشباب المنتحرين، وآلمنا أكثر عودتهم إلى مكاتبهم وهم فاقدين لحلول بإمكانها أن تعيد الثقة بين شاب تائه ومسؤول لا يدرك قيمة المنصب الذي يتواجد فيه..........................
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق